سيد قطب

1900

في ظلال القرآن

إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه ، لا تدع في قلبه مجالا للشك في عاقبة أمره ؛ ولا مجالا للتردد عن المضي في طريقه . إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدا . وعند هذا الحد من التحدي بقوة اللّه ، وإبراز هذه القوة في صورتها القاهرة الحاسمة ، يأخذ هود في الإنذار والوعيد : « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ » . . فأديت واجبي للّه ، ونفضت يدي من أمركم لتواجهوا قوة اللّه سبحانه : « وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ » . . يليقون بتلقي دعوته ويستقيمون على هدايته بعد إهلاككم ببغيكم وظلمكم وانحرافكم . « وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً » . . فما لكم به من قوة ، وذهابكم لا يترك في كونه فراغا ولا نقصا . . « إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ » . . يحفظ دينه وأولياءه وسننه من الأذى والضياع ، ويقوم عليكم فلا تفلتون ولا تعجزونه هربا ! وكانت هي الكلمة الفاصلة . وانتهى الجدل والكلام . ليحق الوعيد والإنذار : « وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا . وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ » . لما جاء أمرنا بتحقيق الوعيد ، وإهلاك قوم هود ، نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة مباشرة منا ، خلصتهم من العذاب العام النازل بالقوم ، واستثنتهم من أن يصيبهم بسوء . وكانت نجاتهم من عذاب غليظ حل بالمكذبين . ووصف العذاب بأنه غليظ بهذا التصوير المجسم ، يتناسق مع الجو ، ومع القوم الغلاظ العتاة . والآن وقد هلكت عاد . يشار إلى مصرعها إشارة البعد ، ويسجل عليها ما اقترفت من ذنب ، وتشيع باللعنة والطرد ، في تقرير وتكرار وتوكيد : « وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ . أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ . أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ » . . « وَتِلْكَ عادٌ » . . بهذا البعد . وقد كان ذكرهم منذ لحظة في السياق ، وكان مصرعهم معروضا على الأنظار . . ولكنهم انتهوا وبعدوا عن الأنظار والأفكار . . « وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ » . . وهم عصوا رسولا واحدا . ولكن أليست هي رسالة واحدة جاء بها الرسل جميعا ؟ فمن لم يسلم لرسول بها فقد عصى الرسل جميعا . ولا ننسى أن هذا الجمع في الآيات وفي الرسل مقصود من ناحية أسلوبية أخرى لتضخيم جريمتهم وإبراز شناعتها . فهم جحدوا آيات ، وهم عصوا رسلا . فما أضخم الذنب وما أشنع الجريمة ! « وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ » . . أمر كل متسلط عليهم ، معاند لا يسلم بحق ، وهم مسؤولون أن يتحرروا من سلطان المتسلطين ، ويفكروا بأنفسهم لأنفسهم . ولا يكونوا ذيولا فيهدروا آدميتهم .